الشوكاني

391

فتح القدير

خيرة بالتشديد ثم خففت مثل هينة وهينة . وقد تقدم معنى الفلاح والمراد به هنا الفائزون بالمطلوب وتكرير اسم الإشارة لتفخيم شأنهم وتعظيم أمرهم ، والجنات : البساتين . وقد تقدم بيان جرى الأنهار من تحتها ، وبيان الخلود والفوز ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم من الخيرات والفلاح ج ، وإعداد الجنات الموصوفة بتلك الصفة ، ووصف الفوز بكونه عظيما يدل على أنه الفرد الكامل من أنواع الفوز . وقد أخرج القرطبي في تفسيره عن الحسن أنه قال الخيرات : هن النساء الحسان . سورة براءة الآية ( 90 ) قرأ الأعرج والضحاك ( المعذرون ) بالتخفيف ، من أعذر ، ورواها أبو كريب عن أبي بكر عن عاصم ، ورواها أصحاب القراءات عن ابن عباس . قال في الصحاح : وكان ابن عباس يقرأ ( وجاء المعذرون ) مخففة من أعذر ، ويقول : والله هكذا أنزلت . قال النحاس : إلا أن مدارها على الكلبي ، وهي من أعذر : إذا بالغ في العذر ، ومنه " من أنذر فقد أعذر " أي بالغ في العذر . وقرأ الجمهور المعذرون بالتشديد ففيه وجها ، أحدهما أن يكون أصله المعتذرون فأدغمت التاء في الذال ، وهم الذين لهم عذر ، ومنه قول لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر فالمعذرون على هذا : هم المحقون في اعتذارهم . وقد روى هذا عن الفراء والزجاج وابن الأنباري ، وقيل هو من عذر ، وهو الذي يعتذر ولا عذر له ، يقال عذر في الأمر : إذا قصر واعتذر بما ليس بعذر ، ذكره الجوهري وصاحب الكشاف ، فالمعذرون على هذا : هم المبطلون ، لأنهم اعتذروا بأعذار باطلة لا أصل لها . وروى عن الأخفش والفراء وأبي حاتم وأبي عبيد أنه يجوز كسر العين لالتقاء الساكنين وضمها للاتباع . والمعنى : أنه جاء هؤلاء من الأعراب بما جاءوا به من الأعذار بحق أو بباطل على كلا التفسيرين لأجل أن يأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتخلف عن الغزو ، وطائفة أخرى لم يعتذروا ، بل قعدوا عن الغزو لغير عذر ، وهم منافقو الأعراب الذين كذبوا الله ورسوله ولم يؤمنوا ولا صدقوا ، ثم توعدهم الله سبحانه ، فقال ( سيصيب الذين كفروا منهم ) أي من الأعراب ، وهم الذين اعتذروا بالأعذار الباطلة ، والذين لم يعتذروا ، بل كذبوا بالله ورسوله ( عذاب أليم ) أي كثير الألم فيصدق على عذاب الدنيا وعذاب الآخرة . وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( وجاء المعذرون من الأعراب ) أي أهل العذر منهم . وروى ابن أبي حاتم عنه نحو ذلك . وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عنه أيضا أنه كان يقول " لعن الله المعذرين " ويقرأ بالتشديد كأن الأمر عنده أن المعذر بالتشديد : هو المظهر للعذر اعتلالا من غير حقيقة . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن إسحاق في قوله ( وجاء المعذرون من الأعراب ) قال ذكر لي أنهم نفر من بني غفار جاءوا فاعتذروا ، منهم خفاف بن إيماء ، وقيل لهم رهط عامر بن الطفيل قالوا : إن غزونا معك أغارت أعراب طيئ على أهالينا ومواشينا .